كَــذبَــةٌ صَـــدَّقَــهَا الجَمِيْــعُ..!
ضمن القصص الفائزة في مسابقة قدوتــي في شعبان لعام 1431 هـ
(1)
بدايةٌ: "من طلب الله بالصدق أعطاه مرآةً يُبصرُ فيها الحق والباطلَ".
كنتُ أسيرُ للحافلةِ بعد محاضرةِ الظهر، الحرُّ يلفحُ في الأجواء، والمسافةُ الطويلةُ من بوابةِ الجامعة للحافلةِ تزيدُ الأمرَ سوءًا.. تباطأتُ قليلًا أشدُّ عباءتي لرأسي، وأكملُ المشي آملةً ألا يقرر السائقُ أن الوقتَ قد حان للمضي قدمًا كعادته، وحالما لاحتْ لي الحافلةُ حمدتُ الله سرًّا وأسرعتُ إليها.
في حافلةٍ تضم خمس عشرة راكبةً -يرفلنَ في حرِّ الظهيرةِ ويثرثرن بما حصل وما سيحصلُ- ما زلتُ أستغربُ ولاء أبي للسائق -رغم المشاكل التي تحصلُ أسبوعيًّا- وأستغربُ أكثر صبري على الأمر حتى تخرجي، كنتُ أحبُّ الجلوس في مقدمةِ الحافلة، حيث لا فتيات يتكدسنَ إلا أولئك اللاتي يُردنَ الهروب من لظى الظهيرة المنهِك، ويتعقبنَ التكييف في كل آنٍ، ويتبرمنَ قائلاتٍ: متى نصل؟
لكن اليوم مختلفٌ، ثمةَ فتاتان صغيرتان وسط الحافلة، تثرثران بصوتٍ عالٍ وبحماسٍ خلتُهُ لا يتناسب مع الجو في الخارج! ابتسمتُ وقلتُ في نفسي: (بالتأكيد هما في المستوى الأول في الجامعة).
وكان بيتُ إحداهما بعيدًا جدًّا عن الجامعة، مما يضطرّني إلى فتح هاتفي واللعب قليلًا علّني أنجز علامةً جيدةً تقوّي ذاكرتي المنهكة من المحاضرات، أو أقوم بالتسبيح حتى نصل للمنزل، وقد تأخذني أحلام اليقظة رويدًا حتى نصلَ فأضحي حيرى من سرعة انقضاء الوقت رغم طول المسافة..
فجأةً.. أوقفتُ اللعبةَ مع أني في منتصف حماسي، فغرتُ فاهي ورفعتُ رأسي ألتفتُ للفتاتين مذعورةً مما أسمع، كانتا تحكيان عن طول الطريق من بوابة الجامعة إلى الحافلة -وهو حديثُ جميع الفتيات هذا الأسبوع-؛ إذ أُمرَ بمنعِ أي سائقٍ أجنبيّ من دخول الجامعة، وتم تنفيذ القرار فجأةً من قبل جامعتي، مما أوقع الكثير من الحرج للطالبات قبل المسؤولين (أو المسئولين).
أثناء الحديث، بسطت إحدى الفتاتين ورقةً على ما يبدو، وبدأتْ تقرأ بصوتٍ عالٍ رسالة شكوى، تطالب فيها بتغيير القرار أو تخفيفه على الأقل، ابتسمتُ قليلًا من الفكرة، ثم عبستُ وأغلقتُ هاتفي والتفتُّ.. بدا أن الأمر خارجٌ عن الواقع في تلك الرسالة، إذ تحدثت أولًا عن القضية ثم قالت:
- "نحنُ الطالباتُ نرى أن موظف الجامعة يرمقنا بنظراتٍ غير جيدة، بل.. جميع الموظفين، ونعتقدُ أنكم لم تدققوا في أخلاقه قبل توظيفه!"
- هههه كان من الأفضل لكِ أن تذهبي له مباشرةً، وتسأليه عن سبب نظراته.
- لا أظن وقحًا مثله سيردُّ حينها، ما رأيكِ بالرسالة؟
- رائــــعة، أضيفي المزيد من الكذب هنا وهناك، و.. حاولي تهويل الموضوع.
كنتُ صامتةً مندهشة، حسب ما سمعتُ أنهما ستنشران رسالة شكوى في جريدة وباسم جميع الطالبات المتضررات من هذا الأمر؛ أملًا في تخفيفه أو تعديل القرار مؤقتًا، لكن.. ما هكذا الحكاية! وما دخل الموظف!
تابعتْ الفتاةُ الثانيةُ بحماسٍ: القرّاء عادةً يغضبون إن جعلتِ في الأمر قصةً أو تحريكًا للعواطف تجاه البنات، اكتبي أن الموظفين أيضًا يفعلون المزيد، اختلقي مثلًا أننا رأينا موظفًا يقوم بعملٍ مشين.
- أتعقدين أن هذا ينفع؟
- بالطبــع، إنها جريــدة.. جريدة أتفهمين؟ أي يقرؤوها الجميع.
- ج.. جميــل، أنتظر بفارغ الصبر أن أصل لبيتي؛ كي أكتبها حالًا.
تحركتُ بانزعاج، مجردُ خيالِ الجريدةِ وعنوان الرسالة فيها جعلاني أقشعرُّ، والأدهى أنه سيذيلُ باسم طالباتٍ أنا منهن!
وقتها، دعوتُ في سرّي أن يهدي الله الفتاة لأن تكتب الحقائق فقط، فقلوب العالمين تُعلّقُ في حفنة حروفٍ كُتبتْ خطأ، وأرواحُ الأفئدةِ تُنهكُ من كذبةٍ أسقطها صحفيٌّ؛ أملًا في اسمٍ يلمعُ، أو مالٍ يبرقُ.. ولا نُدركُ فداحة أخطائنا حتى نرى بأم أعيننا أنها تفشّت ومضت في الآفاق.. حينها نُدرك أن النفوس شفافةٌ عطرةٌ نقيّة، ما لم نلوّثها بزيف أقوالنا.
حاولتُ ترتيب الكلماتِ في ذهني؛ لأنصح الفتاتين قبل أن تُفارقا الحافلة للمنزل، لكنهما كانتا وقتها قد وصلتا إلى المنزل، وطفقتُ أدعو الله أن يمنَّ على الفتاة بنور بصيرةٍ يجعلها تضعُ ما حصل حقًّا فقط نصب عينيها. وعندها، نظرتُ للبعيدِ كما لو أنني أمسحُ المنظر خارج النافذة ببصري، وأضع منه صورةً في مخيلتي تُذكرني بهذا الإحساس الأليم، أن تكتشفَ أن هناك من يعدُّ الكذبَ وسيلةً لكسبِ قضيةٍ شخصية، حتى لو كان الحق بيده، هل تفشتْ عبارةُ (الغاية تبررُ الوسيلةَ) لدينا بلا شعورٍ؟
(2)
دلفتُ للغرفة، ووضعتُ حقيبتي سريعًا، خلعتُ عباءتي.. الجو حارٌّ بما يكفي لأن أصرخ، لكن الإنهاك يجعلني راغبةً في تناول عصيرٍ باردٍ ثم النوم لساعةٍ أو ساعتين قبل كتابة رسالة الشكوى، تأملتُ وجهي في المرآة، كان هنالك بريقٌ في عينيّ يشتعلُ حماسًا، ولولا التعب الذي يحز مفاصلي جرّاء الجلوس الطويل في الحافلة لكتبتُ الرسالة سريعًا، قلتُ لنفسي: لين، اليوم سترينهم من أنت.
مساءً، كتبتُ الرسالة، اتصلتُ بعذبة كثيرًا كي تعطيني المزيد من الكذبات، الأمرُ محرجٌ جدًّا حين أبدأ بكتابة أمرٍ مبالغٍ فيه من حقائق الواقعة، شعرتُ بوخزٍ في قلبي يدعوني أن أمسح المبالغة، لكنني واصلتُ متذكرةً تشجيع عذبة في الحافلة، ومتخيلةً الناس يقرؤون فضائح هذه الجامعة..
لم يدُرْ بخلدي الكثير، فقط كنتُ أكتب ويتعاظم الشعور فيّ أنني شخصٌ سيهزُّ أرجاء المجتمع برسالته، أنا صوتُ المستضعفات، أنا التي سأقيلُ موظفي الجامعة بطريقتي!
طبعتُ الرسالة وأرسلتها لعنوان جريدةٍ مشهورةٍ في منطقتي، (كلما قصدنا الأشهر، كلما كنّا أنجح) هكذا قالت عذبة.. وتوخيتُ أن لا أرسل لأخي محمد هذه الرسالة، شيءٌ ما في داخلي جعلني أرغبُ ألا تمر الرسالة عليه خاصةً وأنه يعمل في تلك الصحيفة، وراودني إحساسٌ ما يقول إنه لن يعلم من كاتبة الرسالة بما أنها مذيلةٌ بلقبٍ.. لكن مجرد قراءته لها يجعلني قلقةً مما سيكوّن من أفكار بعدها.
وحالما أنهيتُ الإرسال قفزتُ فرحةً أجوبُ أرجاء الغرفةِ، وأعلمتُ عذبة بانتهاء العملية السرية كما سميناها.
ونمتُ بعدها أحلمُ باليوم التالي، بيومٍ رائعٍ تقوم فيه الطالباتُ بتمجيدِ رسالتي الرائعة!
***********
ركضتُ نحو المائدة صباحًا..
- لا وقتَ للفطور، فقط سأشرب الشاي.
نادت أمي: لين، محاضرتكِ اليوم في العاشرة كما أظن!
توقفتُ عن الركض، منذ دخولي الجامعة والأوقات مضطربة، أصحو باكرًا لمحاضرةٍ متأخرة، والعكس، عدتُ بابتسامةٍ خجلة، وجلستُ أتناول فطوري مركزةً على صحني.
كان محمد جالسًا يأكل بهدوء، تأملته متوجسةً من أن ينطق بشيءٍ ما، لكن حديث المائدة كان يدور حول أمرٍ آخر، فتنفستُ الصعداء واسترخيتُ سعيدةً.
- بالأمس، جاءتنا رسالةٌ من طالبات الجامعة.
رفعتُ رأسي، إنها رسالتي، ومحمد قرأ الخبر بالتأكيد؛ لأنها ستنشرُ الغدَ أو اليوم في الليل.. وعادةً ما يلتقطُ الغريب ويتحدث به على مائدة الفطور.
- أتصدقون أن الطالبات ذكرن أن موظفي الجامعة غير جيدين؟ فهمتُ من الرسالة أن الفتيات غاضبات من إدارة الجامعة ويُطالبنَ بتغيير الموظفين.. أحقًّا يا لين؟
سقطت حبة زيتونٍ كنتُ أهمّ بأكلها حين قال ذلك، رفعتُ رأسي فزعةً مما سمعتُ وقلتُ: آ.. أجـل.
أكثرُ ما كنتُ أخشى أن تُلتقط فقاعةٌ صغيرة من كذباتي في الرسالة وتُضخّم، وهذا ما حصل، محمد لم يرَ من الرسالةِ إلا كذبتنا بشأن الموظفين.. وتصببتْ يدي عرقًا، ربــَّاه كيف أقول إن الأمر كذبٌ وأنا من كتبته بيديّ هاتين؟
مادت الأرض بي، كانت أمي تلوك الحكاية ظهرًا مع الأهل، وتخيلتُ الناس يقرؤون الرسالة ليلًا، والأصوات الغاضبة، والموظف الذي جزمنا -أنا وعذبة فقط- بأنه سيء الأخلاق..
كل ذلك دار في ذهني، وتقلبتْ الصور سخيةً مؤلمة، أسرعتُ إلى غرفتي وأقفلتُ الباب، وبقيتُ أفكر.. تبادرت عذبة إلى مخيلتي عندها، لكنني أجزم أنها ستقول إنني واهمةٌ وأنهم سرعان ما سينسون وأن المهم هو أننا لفتنا النظر للرسالة، كنتُ خائفةً، أجرِّبُ الكذب ضاحكةً بالأمس وأرتجفُ اليوم على كذبةٍ سيصدقها الجميع إلا شخصي وعذبة، فنحن من نعلم علم اليقين أنها كذبةٌ اخترعناها، ونعلمُ أيضًا أننا لا نستطيعُ إنكار الرسالة كذلك.
سمعتُ صوت وقع قدمي محمد متجهًا لغرفته، تحرّك جسدي سريعًا، فتحتُ الباب، بعد الله لا أحد غير محمد يستطيع أن يحلَّ هذه المشكلة.
- محمد..
التفت إليّ: نعم ؟
- أتذكرُ الرسالة التي ستُطبعُ الليلة؟
- أجل.
ترددتُ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ