القصةُ نصف واقعية، نصف خيالية
ولكم تحيتي..
"الجميعُ صُنعوا من نفس العجين، ولكن لم يُخبزوا في نفس الفرن!" مثلٌ ألماني..
* تقديمٌ قصيرٌ جدًا، أليمٌ جدًا:
سلامٌ إليكم.. سلامًا لا يليقُ إلا بهؤلاء الذين يقرؤون قلبي، كونوا قريبًا بكل الود..
ماذا يمكنني أن أقول حال كتابةِ حوادث تزرع أقصوصةً أليمةً دون أن أصرخ؟ ودون أن أبكي حتى، لكن لا تظنوا أنني شبحٌ صحا للتــو، فأنا أستمعُ لصادح سماعات الحاسوب مرتفع الصوت؛ كيما أجد متنفسًا بعد بكاء أمي الطويل!
لي فلسفتي المتفردة كما للكل، لكنني الليلة لا أريدُ ذلك، أريدُ أن أكون بشرًا كالجميع! تحيتي: مريم السعيد
جلستُ متوترةً عند طابور النساء الطويل في المشفى، أهزُّ ركبتي اليمنى؛ إشارةً لتوتري، وتلك عادةً اعتدتُها طوال سنواتٍ، وما زالت تخرجُ بلا شعورٍ رغم كوني لا أطيقُ أن يراها أحد.. لستُ مريضةً نفسيًا، ولا أعاني من مشاكل في الفهم.. لكنني اعتدتُ هز الركبةِ كلما جلستُ أنتظرُ الغد، وكلما انتظرتُ انتهاء وقت درسٍ ممتع أو غير ممتع، أو كنتُ أنتظرُ شخصًا مــا سيلوحُ قريبًا..
دقائقُ الانتظار مرهقة، تلك التي تفصلني عنها، ورحتُ أقلّبُ هاتفي بحثًا عن الرسالةِ الأخيرة لأقرأها للمرة الخمسين بعد المائة!
تساءلتُ: كيف سيكونُ شكلها الآن؟ بعد سبع سنواتٍ من البعد؟ بعد أن أصبحتُ أطول وأكثر شبهًا بأمي؟ أستكونُ نسخةً عن أمي كما كانوا يقولون؟ أم أنها ستكون حقًا ابنةَ زوجة خالي التي أهابها بلا سبب؟
لو أردتُ أن ينقلني الهواء للماضي لما تمنيتُ رؤيتها، لستُ أكرهها ولا أحبها.. هــه شعورٌ محايدٌ لكل شعور.. فبكل الهدوء و بكل الدموع جرّبتُ معها كافة مشاعر الكره والحب، الحقد والشفقة، البسمة والاستهجان، وحتى التفكير فيها ليلًا حين أكون ساخطة.. رغم أني متأكدةٌ من شيء واحد: روحها ليست بتوأمي قط!
ومع الزمن تكوّمت في خلدي المشاعر ونسيتُ الأمر، نسيتُ شكلها وبقي طيفُ فتاةٍ أطول مني، وأعرض كثيرًا بما يكفي لأن تحملني بكل سهولة.. تطردني لئلا ألعب معها ومع أختي، وأركض باكيةً لجدتي لتحذرني قائلة جملةً تكررها أمي دومًا: أخبرتكِ ألا تلعبي معها، سواءً كنتُ حيةً أو ميتة لا تقربيها!
وكلما سمعتُ أمي تردد ذات الجملة أيقنتُ أن جينات جدتي تستيقظ متفاعلةً في حنايا والدتي لتردد ذات الجملة كلما جاء ذكرها.. وأقول في نفسي: سبحان الله! رحمكِ الله يا جدتي..
رغم ذلك كله، عشتُ في سلامٍ معها، قد تجدُ نفسك راغبًا أن تُضرب خلف رأسك لتفيق من حلمٍ تمارسه يوميًا، وتريدُ أن تجرب شيئًا محرمًا لا يريده أحبابك.. تقول لنفسك: أمن حقهم أن تكون علاقتي مع آخر بنفس إطارهم؟ وتحاربُ كل هذه الأقاويل، ثم.. تنتحب ذات مساء.
شاركتها عدة مناسبات، لقيتها كل أربعاء خلف مبنى المركز المتهرئ، ضحكتُ معها على التفاهات، وأخبرتني عن أمور عديدة، وتحدثنا كثيرًا، كذا لعبتُ معها طوال الوقت، طفلةً و مراهقة، رغم أن قلبي كان يسمع، ويحس بدمدمات العاصفة خلف هذا القرب المهيب..
في قلبي تنبؤ ملهم أني سأكون متألمة، أو شبه نادمة لتلك الأوقات.. ومثلما يبتدئ الحلمُ جميلًا وتكون فيه رائعًا، ستخبو غدًا اللحظات، وستتذكرُ ذات الشخص مع صورةٍ ضبابيةٍ تكاد أن تكون خاطئة.
كنا مختلفتين كليًا، الشكل والصوت، اللون والدراسة، الصفات وطريقة التعامل، الأمرُ الذي يجعل كل من عرفنا يدهش حقًا حين يعلم أننا قريبتان، أو أننا عشنا في بيتٍ واحدٍ زمنًا..
لم نكن نحسنُ أن نرسل شعورنا لبعضنا، ولا أتذكرُ يومًا أنني أخبرتها بأنها يفترضُ أن تكون عدوتي لتصرفاتها، ولي أن أتخيل مستقبلًا مع فتاةٍ أبكت جدتي، وجعلت أمــي تسهر الليل بكاءً ونحيبًا يقطع الفؤاد.. ودعوات أرسلت للسماء بقلوبٍ راجفة، والكثير الكثير.. لكن الحياة علمتني أن أنتظر، أن أعي لعبة الزمن بلا نظرٍ للخلف..
حاولتُ جاهدةً أن أنسى كل ما حصل، أن أغفر للجميع، وأن أقتات للغد فقط، فنحن أبناء اليوم!
يلوحُ لي سرابٌ من الأمس، أمس قريبٌ بعيد، حادثةٌ منهكة، حين أخذتها ليلةً لنتمشى، لنرى النجوم في ساحة بيتهم، كانت مضطربة جدًا، متوجسةً منــي، وللمرةِ الأولى في حياتي رحمتُها رحمة من رأى طريدته تبكي صغارها، لم تكن نزوةً من شفقة حين ابتدأت كلامي معها بقولي: أنا لا أكرهكِ، بل أحبكِ وأريدُ لكِ الخير..
أتسخرُ مني الآن لأجل هذه الكلمة يومًا، أم أنها تتمنى أن لم أعلم بسريرتها تلك الليلة؟
تململتُ على الكرسي مجددًا، وعدتُ لأهزّ ركبتي، بينما تطلعتْ نحوي امرأةٌ بعجب، فأصلحتُ جلستي وأمسكتُ ركبتي رغمًا، وقرأتُ الرسالة مجددًا: (مرحبًا صفاء، أيمكننا أن نلتقي اليوم في المشفى؟ أنتظركِ)، زفرتُ: لمَ المشفى؟ هل هي (حركة) لتبدي لي فخرها كما تتوقع أمي؟
رفعتُ نظري أقلبه في وجوه الحاضرات.. وأحدث نفسي: معادل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ