السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لمن افتقد أو لم يفتقد ربما..
هنا صحيفةٌ لتسألوا ما بدا لكم..
<script type="text/javascript" src="http://widgets.amung.us/tab.js"></script><script type="text/javascript">WAU_tab('9zqglxxuxxif', 'right-lower')</script>
| ► | يناير 2010 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 | 31 | |||||

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لمن افتقد أو لم يفتقد ربما..
هنا صحيفةٌ لتسألوا ما بدا لكم..

عودةٌ أخرى،
لديَّ هوايةٌ غريبةٌ، أكتبُ: مريم السعيد في متصفح (جوجل وفي روايةٍ قوقل) لأرى ما سيظهر!
أظنُّ أنَّ الكثير يفعلُ ذلك، ربما ليرى هل وضعتْ جريدةُ اليومِ الالكترونية اسمهُـ/ـا ضمنَ المرشحينَ لوظيفةٍ ما
..
أو ليرى/ ترى إن كانـ/ـت ناجحةً بعد الثانويةِ العامة..
لكنني لا أفعلُ هذا لذا أو ذاك، هو فقط هوسٌ من وقتٍ لآخر..

أبتسمُ حينًا حين تكون "مــريم" تلكَ في قائمةِ الموسيقى، أو هنا وهناك..
وإن أردتمْ توضيحًا لـ: أيّ المريماتِ أنتِ؟ أو كما يقولُ والديّ: (مرايم) وعلى لسانِ أختي: ريم..

لأننا نتشدق بمعرفة معاني الكلمات، أطلقناها في غير مواضعها!
فالأطفال لا يجرؤون على تسمية/ وصف الحمار بأنه إنسان
لكننا نجرؤ -بكل سهولة- مع علمنا أن الإنسان لا يُوصف بـ حمار.. ونصفه بالقول: يا حمار!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عيدكم أبهــى..
وكل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب.. وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام..
هذه ثرثرة العيد يومَ العيدِ..
أجدني متعددةَ الاهتماماتِ غالبًا، فمن المستَغربِ أن تجدَ شخصًا يهتم بشيءٍ واحدٍ فقط..
أكتبُ وأحب المونتاج التلفزيوني، والأخيرُ لهُ حديثٌ ذو شجونٍ اليومَ..
كنّا "عائلتي" قد اقمنا مسابقةً في رمضانَ الراحل زمنًا لا حبًا، كانت مقسّمةً حسبَ المستويات: قرآن، وحديثٌ، وآدابٌ وأذكار..
وقررت العائلةُ أن يتم حفلُ التكريمِ يومَ العيدِ إن كانَ يومَ أحدٍ؛ فاليومَ عرسُ ابنِ عمي..
وهكذا قاموا بشنقِ وقتي والحكم عليّ أن أقضي 12 ساعةً يوم الجمعةِ (أمنتج) أي أقوم بعمل مونتاج للقطات حفلٍ سابقٍ تم تصويره..
ولكي أستحكمَ التوثُّق من فهمكم لي، فالمونتاجُ التلفزيوني عبارةٌ عن العملِ الذي يلي التصويرِ غالبًا.. وله برامج معروفة..
ويمثِّلُ "بالنسبة لي" أكثر من 50% من نسبة التعبِ في إنتاجِ أي عملٍ مصوّرٍ ما..
وهذا يذكرني أن ما يهتم به المرءُ هو ما يحبُّ أن يتتبعه، فحين تظهرُ شارة مسلسل على شاشة التلفاز، تجدُ المشاهدين يبحثون عن أسماء
الممثلين، ومن يهتم بالنشيد يرى منشد الشارة، ومن يهتم بالمؤثرات سيرى من قام بها، وعليها فالمهتم بالمونتاج هو العامِل عليه أو المهتم بدراسته
وهذا "أيضًا بالنسبة لي" ربما يكونُ هضمًا للمنتِج إن كان على حِسابه (أي حين يُهمَّشُ)، فما ترونه من فصل الصوت الأصل وإلصاق عدة مقاطع وتوضيح أخرى
وإخفاء الآخر، وإضافة الأصوات المهمة، بل وتصميم الخدع السينمائية (السقوط في نار مثلًا).. كله من عمل المونتاج التلفزيوني..
وبالطبع للمونتاج أنواع مختلفة، منها لإنتاج الأفلام والمسلسلات، ومنها ما هو مختصٌّ بالإعلانات.. وتتفنن القنوات الإعلامية في هكذا أمر، فاكثرها جذبًا لعينِ المشاهِد
أكثرها جمهورًا..
لم أنمْ بعد السحور فجر الجمعةِ؛ لكون عقلي المسكين يعيش دوامةً كبيرة من الأعمال المتوقفة والمتراكمة في آنٍ معًا، نيف وخمسون رسالةَ معايدة، عملٌ مع الصديقة دلال
مونتاج للمسابقة وآخر لحفل الأطفال، والتفكير في جميع الأدوات التي سنحملها إلى بيت عمي (مقر الحفل)؛ لأنك إن لم تحسب الأمر في عقلك ستخرجُ بنسيان شيء هام في وقتٍ ضيّق..
فتحتُ الحاسوب وبدأتُ أعمل وأقطِّعُ التصوير، للحق بدايةً لم يكن متعبًا أبدًا.. مقاطع الأطفال سهلة ما داموا يعلمون أن هناك من يصوّرهم فيندر خروجهم عن المألوفِ إلا قليلًا..
ولعلكم استنتجتم (أو لم تفعلوا) من جملتي السابقة أن العمل التلفزيوني عملٌ متكامل، فيه المعادلةُ التالية: تصويرٌ احترافي، مونتاج بطريقة إبداعية، إخراج سليم ونقاء واضح = من أفضل الأعمال
المصوّرة التي تراها في حياتك..
كمثالٍ قريب: عمل الأخوين الغامدي (و ليس رايت) "تضحك أو تداوي" لبرنامج الشاشة لك..
أنهيتُ التصميم تقريبًا الساعة 9.30 وترتيب المقاطع الأولية.. وذهبتُ لأنام على أمل أن يكون العيدُ يوم الاثنين؛ لآخذ متنفسًا فيما إن قرر الجهاز أو البرنامج التمرّدَ.. صحوتُ أوقات الصلوات، وبدأتُ العمل
ثانيةً بشكلٍ متواصلٍ من نهاية الظهر حتى الساعة 9 مساءً، هذه 10 ساعات
لا تتعجلوا، هل تظنون أن المونتاج يعني مجرّد مقاطع تضعونها بجانب بعضها وتدمجونها وانتهى الموضوع؟ الأمرُ أكبر من ذلك، تحويل صيغ جميع الفيديو المنزلي خاصة الكاميرا بطريقةٍ تضمن الجودة العالية
تحويل صيغ الصوت التي نحتاجها وتقطيع المقاطع التي نريدها، ترتيب العرض بشكلٍ لائق، الإقلاع فوق 30 مرةً من البرنامج، وأخذ كمية كبيرة جدًا من الجهاز تصلُ إلى 30 جيجا بايت.. والركضُ بين جهازين
بالذاكرة المتنقلة (الفلاش ميموري) مع ملفات الصوت والصورة..
كانت المقاطع التي عملتُ عليها بتصوير من آلتي تصويرٍ من شركتين مختلفتين، واحدة شركة (سوني) والأخرى (بانسونيك)، ومع التحويل وتعديل بعض الأمور وحذف اللقطات التي تحوي فتيات
يتمشين أمام الآلة مبتسماتٍ سخريةً بالمنتجة المسكينة التي تضطر لتعديل المشهد أو حذفه ^^"..
كانت أختي وقتها قد أنهت عرضها العادي للحفل، وبقيتُ ألوك

أحيانًا لا أحبُّ الفلسفة..
مضحكٌ جدًا أن تكره شيئًا ليقول لك الآخرون: إنه فيك!
لا أحبُّ حقًا أن أقرأ شيئًا لا أعرف معناه ، لكنني لا أعني بالفلسفة الرمز..
فللكلِّ معناه -برأيي-..
أتدرون ، الأشياء جميلةٌ أحيانًا حيثُ هي..
الكلماتُ كما هي ، البيوتُ كما بُنيتْ، الخفايا كما هي..

فكرتُ بعمق بعدها، لمَ نعتبر القراءة هواية، أو شيئًا نعتادُ فعله مرارًا ونحب ممارسته دون آخر؟
أليست القراءة شيئًا لا يجب اعتباره (هواية)؟ بل تكون شيئًا أساسيًا في كل امرئ منا، ونتفاوتُ فيما نحبُّ من
أبواب المعرفة، كحب قراءة الفنون أو العلوم أو الأدب أو غيرها..
وإن أردتُ الحق فنحن نقرأ قليلًا هذه الأيام، في صفحات الانترنت، وصفحات الجرائد، وفي بعض الأمور التي لا تضيفُ
إلا في زمن قراءتها، وما فكرنا يومًا أن نتمَّ تفسيرًا كاملًا للقرآن، ولا بقراءة (الكتاب) لسيبويه، أو بقراءة موسوعة علمية جميلة وراقية، ولا بقراءة مختصر شرح للأحاديث النبوية..
بل نحن مستعدون تمامًا لقراءة الروايــات والقصص القصيرة؛ لحبنا للقصِّ، ومستعدون جدًا أن نقرأ خاطرةً من نصف صفحة،
أو ننهي كتابًا من ثلاثين صفحة فقط، ولسنا مستعدين أن ننقب في شرح ألفية ابن مالك، أو قراءة نوادر المقامات، أو إعطاء وقتٍ يسير لقراءة بدائع ما رُوي هنا وهناك..
كثيرًا ما رأيتُ الطالبات في المكتبة متجمعاتٍ للقراءة، واستبشرتُ بالأمر خيرًا، ثم لا ألبثُ إلا أن أكتشف أن الاجتماع كان لإعداد بحثٍ لمادةٍ مــا، وأن القراءة كانت قسرية (إجبارية)؛ لأن الأستاذة لم ترضَ بالشبكة بديلًا بالمراجع!
ووصلنا إلى مرحلةٍ نفرض فيها على أنفسنا ما نحب وما نكره، وعجبي لمتخصص العلوم كيف يجهل إعراب الفاعل؛ قائلًا: إنها ليست من تخصصي!
ومتخصص اللغة كيف يجهل حقائق العصر ومتغيراته، فقراءته تنحصر فيما يرغب ويحب، رغم كوني أشجع أن نتبحر في علمنا بالقراءة والتثقيف.
يُقال: إنك لو قرأتَ يوميًا نصف صفحةٍ من علمٍ مــا فإنك ستكون عالمًا به بعد ثلاث أو خمس سنوات. فانظروا ما هي أهمية أن تقرأ شيئًا جيدًا يضيف لك..
لنتخيل هذه المعادلة معًا: فأحدهم يقرأ في علم الفلك كتبًا على مدى ثلاث سنوات، في السنة الأولى تعرّف على الفلك، ومسمياته، أشكال الكواكب فيه، نظامه، في


كنتُ أتحدثُ مع أستاذةٍ لي في الجامعة (هي بلقب دكتورة لكن لا أجدُ لها مرادفًا في الفصحى)، تلك الأستاذة أعتبرها كصديقة كما هو حالي مع غالب أساتذتي ^^، لكن ليس بترك الاحترام..
كنا نتحدثُ عن الحديث أثناء المحاضرات مع الطالبات، فتطرقتُ لا إراديًا لموضوع التحدث بالفصحى.. والناظرُ إليّ يظن أني لا أحسنُ شيئًا، ربما لآنني لا أحب أن أرفع صوتي إلا عند الإلقاء وفي المنزل بالطبع..
أو حين يستلزم الأمر بالطبع كتهدئة أطفال روضة أختي المشاكسين ^^".. وكذا يُستغربُ عليّ التحدث بالفصحى.. رغم أن المثقف القاريء يظهر في حديثه وكلماته ما يُشعرك أنه ليس بالإنسان العادي..
فكنتُ أحدثها عن هذا الأمر، وحدثتها أن معلمةً لي حصل أن تحدثت في أول حصةٍ دراسية في الثانوية بالفصحى، فاستغربت جميع الطالبات.. إلى أن تعودنا الوضع،
فردت الـ (دكتورة): "أريد التحدث بالفصحى لكن لدي مشكلة مع النحو قليلًا لذا قد أجد نفسي أمام الطالبات عند غلطة نحوية في ورطة" أو كما قالت..
ولا ألومها فكلامها صحيح، إذ إن من مقومات المعلم أن يكون قدوة، وقد تهتز صورتها أمام الطالبات، وما دامت تحرر المحاضرات بالفصحى وتقرؤها جيدًا لكنها تشرح
بالعامية فهي تحاول جهدها على الأقل، وشطَّ خيالي قليلًا عند كلمتها تلك فقلتُ لها: حتى أساتذة اللغة العربية يندر منهم من يتحدث الفصحى حتى داخل المحاضرات أو الحصص!
ثم توسعت دائرة تفكيري لأحصي من يتحدث الفصحى على الدوام كلهجة أساسية فوجدتُ أنهم قليلون إن لم يكونوا على أهبة الزوال..
ومن الطريف أن أخي حين بدأ الحديث لم يتحدث ولم ينطق بكلمة عامية واحدة، بل كان يتحدث الفصحى سليقةً، فاستبشرنا خيرًا.. ثم أدركنا أنه يقلّد ما يشاهد في
التلفاز، وشيئًا فشيئًا بدأت البيئة تصعّب عليه الأمر، فلو كانت عائلته تساعده وتتحدث الفصحى فأصدقاء المدرسة يضحكون أو لا يفهمون جلّ كلامه؛ لاستعماله كلمات
صعبة قليلًا للأطفال كـ: الشمطاء، الخَرِفْ، أقداح…إلخ وفي نهاية المطاف كانت الغلبة للهجة العامية، فإما أن يُفهم أو أن لا يُفهم، فاختار أن يُفهم واختار العامية، وأضحت
مادة القواعد من أشد المواد على فؤاده!
ورأيتُ أساتذةً العام ال
(غرفة جدتي)
ذلك المكانُ العبِقُ بكل شيء، العتيقُ الرطب..
المكانُ الذي كنتُ أتسلل منهُ راكضةً خارجه لكي ألعب عندما كنتُ أقرضُ الخامسة..
والمكان ذاته الذي تفوح منه رائحة جدتي عبر السنين..
غرفة جدتي، ملآ وبلا سببٍ باللون الأحمر، سجادةٌ حمراء.. وسائد حُمــر.. وشيئًا من رداء جدتي عند الظهر..
أتذكرُ كثيرًا وربما أنسى برهةً، يدا جدتي تمد الحلوى التي خبأتها طوال الأسبوع لنا..
صلاتها وبكائي بانتظار أن تنهي التراتيل؛ لأسرد عليها قصة ضربي..
وها هي الغرفة بعد سنين، تعبق بذات رائحة جدتي.. بحنينٍ متنامٍ نحوها رغم أنها غادرتها.. و تستوطن المكان ضحكات الأطفال يلعبون هنا وهناك منتهكين حرمة لطالما تحاشيناها..
مرفأ جدتي.. لطالما تمنيتُ أن نكتب على الباب عنوانَ (الجدة)، وعلى الباب المقابل (الجد)؛ لأميز بسرعة المكان، رغم معرفتي له كالدفق في عضدي..
ولطالما أحببتُ أن تظل جدتي هناك، وأن أظل أعود إليه كروحٍ غادرت وكرها ثم عادت..وهيهات!
ذلك الدفء الجانبي من زوايا البيت، هو المكانُ الأمثل لأحلامي..
كلما زارني في النوم أتفاءل وكأن روح جدتي التي أسلّمُ عليها من بعيدٍ تزورني برقة..
من لا يرغبُ أن يكون مكانٌ كهذا مكان رؤاه؟
رأيتُ غرفة جدتي في الحلم، رأيتُ الجميع هناك، من انقطع منذ سنين، من غاب بعيدًا، من ترك الديار..
رأيتُ الجميع ، والجميع في الحلم هم أحبابك وأصدقاؤك، أهل رأيك وخاصته..

الغداةَ، يحبني الغيم.. رغم أنني لا أراه..!
تمطرُ السماءُ غيمًا رغم الظهيرة التي تقتلعُ النافذة ضوءًا..
وعلى ذلك لا زلتُ أحسُّ بالمطر والغيوم!
أشاهدُ السماوات البيضاء تكتهلُ بمخاضٍ عسير، وترمي إليَّ بوابل الـ" حزن"
ها أنا بعد برهة، بعد قليلٍ من كثير!
أريدُ أن أفرغ شحنةً من قصة.. ثم أمضي في حال سبيلي..
أن تجد شخصًا لتحكي له أنك متعبٌ وأنك منهك، لهو شيءٌ رائع بحق..
هنا مساحةٌ أخرى..
لم تكتمل بعدُ،
بينما كنتُ أتجول يوم الاثنين في الجامعة، لمحتُ العدد الرابع من النشرة الصغيرة (إرواء).. والتي تعدّها مجموعة من طالبات الجامعة..
أخذتُ النشرة أتصفحها على عجل، ثم ابتسمتُ؛ لتذكري أنني أرسلتُ نصي (شئت أم أبيت) لصديقةٍ في فريق عمل (إرواء) تفاعلًا معهن..
لا أخفيكم، ظلت تلك الصديقة تذكرني بان أرسل النص حتى أرسلته، ولطوله قاموا باختصاره، وبالطبع بموافقتي..
أعجبتني الكلمات على مقدمة (إرواء) وأعجبني التصميم الجميل.. أترككم مع الغلاف والنص..
لم أقم بمعالجة الغلاف عن طريق برنامج (الفوتوشوب) بل تركته كما هو؛ فجودته جيدة..
وإن حصلتُ على صور واضحة للعدد وضعتها هنا –بإذن الله-..

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ))سورة الحجرات الآية 12
لطالما تساءلتُ عندما كنتُ أحفظ هذه الآية في الصف الرابع الابتدائي: لماذا أرادنا أن نحسن الظن؟ فلم أكنْ أرى وقتها أحدًا يسيء الظن علنًا في ذلك العمر.. و ظل الأمرُ كذلك حتى تفتح ذهني على العالم وما يجري فيه، و تحديدًا في مجتمعنا، وعجبتُ أشد العجب مما يحصلُ حقًا، فلا تجدُ أحدًا يتحدثُ عن آخر أو يرى فيه ما يريبه إلا وضع له ألف حكايةٍ وحكاية، هو قصدَ كذا، وهو أراد كذا، وكأننا مكلفون بما أراد وما قصد! ولا تجدُ النساء هذه الأيام إلا تلوكُ حكاية العين وما تلاها، فتلك تعين فلانة، وتلك تترك التعلم بحجة العين، وتلك تتقاعس بحجة أن أحدًا وجد فيها حسنةً فعانها، أنا لا أنكرُ العين فالعين حقٌ بنص الشريعة، وكذا لا أدعو إلى التسيب و ترك كل الأحكام وعدم الاحتياط لكن أدعو ألا نعلق أعمالنا على (شمّاعة) الظن والعين، فلهذه المشكلتان توابع جسيمة، فمنهما تفرّقت عائلات، ومنهما تناحر الإخوة، ومنهما تباغض الجيران، وكل هذا بسبب ظن لا يُعلمُ حقهُ من باطله..
للقرطبي –رحمه الله- في تفسير هذه الآية كلامٌ جميلٌ جدًا إذ يقول: (قال علماؤنا: فالظن هنا وفي الآية هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتّهم بالفاحشة أو بشرب الخمر مثلًا ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك ..) ثم يقول: (للظن حالتان: حالة تعرف وتَقْوى بوجه من وجوه الأدلة فيجوز الحكم بها، وأكثر أحكام الشريعة مبنيةٌ على غلبة الظن، كالقياس وخبر الواحد وغير ذلك من قِيَم المتلفات و أروش الجنايات. والحالة الثانية: أن يقع في النفس شيء من غير دلالة فلا يكون ذلك أولى من ضده فهذا هو الشك، فلا يجوز الحكم به، وهو المنهي عنه)..رحم الله القرطبي، لو جـاء في زماننا لقال: شيبني سوء الظن وتبعاته!
والأنكى من هذا كله أن تجد شخصًا يسيء الظن ويصرُّ على سوء ظنه، لكأنما غفل عن القول: (التمس لأخيك سبعين عذرًا)*، بل وقد يجتهدُ ليؤكد سوء ظنه لا ليغير ما في نفسه، وحين تقول له: يا هذا أحسِن الظن، يقول: الدنيا تغيرت، وليس هناك طيبٌ أو أن الطيبة لا تنفع!
وتكادُ المواقفُ تتكرر في كل مكان، فمثلًا: قريبة لي أحترمها وأقدّرها، رأتها أخرى في المشفى يومًا وكانت الثانية تعلمُ أن الأولى حاملٌ في الشهور الأولى، فلما سألتها عن سبب حضور المشفى أجابت الأولى: أتيتُ لإصابتي بالزكام، وكانت وقتها فعلًا مريضةً بالزكام، فحدثتني الثانية وقالت: إنها تريدُ أن لا تخبرني بأنها جاءت للفحص فأعرف شهور حملها لأنها تظنني أعينُها (أي أصيبها بالعين حسدًا)، فقلتُ لها: سبحان الله! وافترضي أنها مريضةٌ فعلًا، أو ضعي نفسكِ مكانها فما أراكِ وقد حبلتِ بأولى شهور الحمل إلا مخفيةً هذا الأمر لأنه قد لا يثبتُ فقد يسقطُ أو يطرأ عليه شيء، فلم تقتنع برأيي وطفقت طوال شهور حمل الأولى تلوكُ سيرتها حتى ولدت بالأمس، وما زال في النفس عليها شيء، وحدثوا ولا حرج عن حكايا النساء وكلمة: لم تخبرني بولادتها إلا بعد فلانة وأنا القريبة وهي البعيدة!
وحكايةٌ أخرى إذ حصل أن فتاةً معنا في المدرسة سابقًا تغيبت لزمنٍ طويل جدًا ثم انقطعت، وكانت الفتاة رائعةً بكل المقاييس، متفوقة و جيدة، وحين سألنا صديقتها عن غيابها أعلنت أن هناك فتاة

"يومًا ما، حين رأيتكِ..
نبتتْ في قلبي زهرة..
رعيتِــها، ثم نظرتِ إليَّ برقة..
أشحتُ بعينيّ دامعةً، وقلتُ بعدَ ساعاتٍ: (وداعًا)..
يومًا ما، رأيتُ طفلةً تبكي..
فرأيتُ ملاكًا طائرًا يرفرفُ حولي..
وأبصرتُكِ تركضين تركضين على المدى، تلهثين.. باكية!
أصحوتُ الليلةَ لأصرخَ: سامحيني؟"
لم أحب يومًا أن أكتب حزني، كل النصوصِ التي أردتُ ولا زلتُ أريدُ أن أعرضها على الملأ متفائلة.. لكنني الليلة أريدُ أن أبوح، وأرغبُ أن أجدَ فتاتين فقط.. في هذا الحيز.. وهذا المكان بالذات..
لأنني سأتركُ شرفةً مفتوحة من قلبي.. تسمحُ بالدخول لهاتين فقط، ثم.. ستُقفلُ.. لن تمتلئ بالضجيج كالعادة.. لن تمتلئ بالعويل.. إنها زاويةٌ رقيقة تلك التي ستطؤها تلكما الفتاتين..
بالأمسِ فقط، وبعد عامين أردتُ أن أبكي.. أردتُ أن أجدكما على قارعة البوابة الشاهقة في الجامعة.. وأن أقول مجددًا: "سامحانــي"..
لم أكن أحسنُ الفراق، فقلبي كحجر يشقّقُ فيخرجُ منه الماء، فتنسابُ المياه من محاجري..
بالأمسِ.. حضرتُ حفلًا جميلًا.. كنتُ سعيدةً أن وهبني الرب سعادةً كتلك، شعورًا صافيًا كذلك.. وكان حفلَ تخرج لذيذًا.. كطعمِ الحلوى التي دسستُها في حقيبتي بعد التخمة.. وعند نهاية الحفل عادت زميلتان تبكيان بعد أن ودّعتا صديقتهما صاحبة الحفل، جلستا، صمتتا، شهقتا، و غالبتا الدموع..
نظرتُ إليهما أحاولُ أن أتبين الأمر، وجل ما فعلته أنني رأيتُ خلف الأعين المحمرة وجهي الصغير قبل خمس سنوات.. يتوارى بين أسوار المدرسة ليبكي بحرقةٍ في أول يومٍ دراسي في الثانوي..

قرأتُ في كتابٍ عن طريقةٍ وصفها المؤلفُ بأنها (جيدةٌ لتفريغ الغضب)، وهي كتابة "رسالة حــب" للشخص الذي تملكُ نحوه مشاعر سلبية
كالحزن أو الغضب أو الأسف ونحوها، تضمّن فيها مشاعرك السلبية متدرجًا من الأسف والغضب والحزن إلى الحب..
وكنتُ قبل يومين أو ثلاثة أحكي لختي غضبي من نفسي؛ لأنني وقعتُ في موقفٍ لا أحسدُ عليه.. رغم تحذير والدي لي ألا أقع في هكذا مواقف..
خلاصةُ القول، أريدُ أن أكتب رسالة حب، إلى تلك الفتاة التي حصل معها ذلك الموقف..
أهلًا يا عزيزةُ.. إن شئتِ أن أقول "عزيزة"..
ما الذي جعلني أرمقكِ بجانبي في المطعم وأهديكِ ابتسامةً يومها، لا أدري، جل أمري أنني استيقظتُ من حلمٍ رقيقٍ كأنتِ..
اعتقدتُ دائمًا ولا زلتُ أن البشر تفاحاتٌ رقيقة، مهما جفُفت تبقى صالحةً للأكل! مهما أخطأت وأصبحتْ وقحةً تبقى باسم (بشر).. وما تزال والدتي ساخطةً على تفكيري ذاك وعلى بلادتي عند نقاشي في هكذا موضوع..
لكنني أسفتُ ووددتُ تقبيل جبين أمي حين رأيتكِ تقذفين كلمةً وراء أخرى وكأنني كائنٌ هبط من سطح النجوم وراح لا يفقه مشاعر الناس..
ونسيتُ ابتسامتكِ، وحتى كلمات الشكر في اليوم التالي، وظللتُ أقول في نفسي: أكنتُ حمقاء يا أمي؟!
أكنتُ حمقاء حين أردتُ أن أسدي تعاطفًا وأساند الفتاة ثم إذا بها ترمي عليّ الماء حارًا، وتخرسني قبل أن تقول: شكرًا أو تستمع لأسبابي؟
أكنتُ حمقاء لأنني لازلتُ أعتقدُ أن خل التفاح، وعصير التفاح، والتفاح المجفف، وفطيرة التفاح، وحلوى التفاح كلها تحوي المعدن نفسه؟
وأنكِ ككل البشر في عالمي، لا زلتِ تحتوين ذلك المعدن اللطيف مهما تغير الموقف؟
لستُ نادمة، أنا غاضبة.. فتاةٌ أعلمُ أنكِ قرأتِ غضبها الصامت وراء تلك الابتسامة المتألمة.. وأوقنُ أنكِ ربما لم تفكري إلا لهنيهاتٍ في ذلك الموضوع..
مؤلمٌ جدًا، أن تعيش كبشر واضعًا في اعتبارك أن البشر سواسية! أعني في دواخلهم.. وهكذا أنا، لذا ستعلمين أن ذلك النوع من البشر أيضًا لا يحب أبدًا، ولا يصدقُّ سريعًا وجود نوعٍ من البشر يكنُّ الشر ابتداءً أو يستطيعُ أن يهدي شخصًا حرب

هنالك مكانٌ في قلبي، لا أفهمه حقًا، مكانٌ سيءٌ حينًا، ومأوى أجزم أخرى أن رفرفات القلوب تهوي إليه..
حينما أغضبُ أو أتألم، كل ما هنالك أنني أجدُ صورةً أو اثنتين تومضان في ذاكرتي، تركضان إليّ و تقتحمان مخيلتي..
حينها، أتخيلُ الدنيا غطاءً انتُزع من أنسجتي، وشيئًا عميقًا يلكمني فجأة فأنتحب..
أنا فقط لا أفهمُ نفسي أحيانًا، لا أفهمُ تلك الذات التي تنبضُ كل يوم، ولا أفهمُ ذلك الفؤاد الصغير الذي يقشعرُّ كلما وطئته الحياة.. لكنني أحاولُ أن أتعرف إليها..
حين أنتشي لا أعرف ما نوع الطائر الذي خرج من حنجرتي فغرّد وغنّى، تبدو لي الدنيا كما لو أنني أشكّلها إنسانًا آخر، أحبه كثيرًا، أكرهه كثيرًا و.. أغادره ذات يوم..
ما الذي يجعلني ذات غرة أشفق على عدوي فأحتضنُ دمعاته؟ وما الذي يجعلني أرتعشُ فرحًا في وقتٍ آخر كأن الحياة كلها ملك يدي؟

(صفية) صديقةٌ رائعةٌ، رأيتها في مركز تحفيظ القرآن قبل سنة تقريبًا، كنتُ قد جئتُ ليومٍ أو يومين وصادف أن رأيتُها جالسة هناك..
وكأن الله قد أنعم عليّ بها، وبذلك الدفء الأخويّ الجميل..
صفية، أمريكية من أصول صومالية، زوجها أمريكي ولديها خمسة أطفال، أتت هنا لعملِ زوجها، وتفرغتْ لأجل تربية أطفالها.. لا تتقنُ اللغة العربية وتحاولُ فهمها، تنطقُ ببعض الكلمات العامية التي التقطتها من ابنتها وتقولها بمرح، حين أجلس معها يملؤني الحبور فهي رائعة ومرحة، وفوق هذا كله متمسكة بالدين إلى درجةٍ كبيرة..
تقول صفية: (حين ولدتُ ابني (عبد الله) اتّصلتْ معلمة ابنتي وسألتها: ماذا أنجبتْ أمكِ؟ فردت الطفلةُ: ذكرًا، قالت المعلمة: أبيض أم أســود؟)
وأتوقفُ هنا.. ولن أكمل رأي صفية عن هذا الأمر.. بل سأقولُ رأيها عنّا، لقد قالت:( أنا لا أكره السعوديين، إنها بلاد الحرمين.. لكن لم أعتقد أن يصدر هذا من مسلمين! (أي التفرقة بين الأبيض والأسود).. هناك في أمريكا لا أعيب عليهم لأنهم كفّار، لكن وأنا في بلاد الإسلام يُقال هذا الأمر!)
وأكادُ أخرسُ مع سماعي لكلامها، لا أستطيع أن أنفي أن هذا يحصل، فهو يحصلُ فعلًا وإن حاولتُ تكذيبه، تكملُ صفية: (أبيضٌ أو أسود، صبي أم فتاة.. إنه طفلي وراضيةٌ به مهما كان).. تذكرتُ حينها حين جلستْ بجانبي في رمضان وقالت لعجوزٍ طيبة بجوارنا: (Mariam is my sister) "مريم أختــي".. ففرحتُ كثيرًا؛ لأنها استعملت الكلمة (أختي) ولم تقلْ (صديقتي).. وهذا صحيح فأنا أختها في الدين.. فــي الدين فقط بغض النظر عن اللون أو العرق أو النسب..
من جهةٍ أخرى، أجدني أستعيدُ عدة كلمات كـ: البيضاء أفضل من السمراء، جميلةٌ لأنها بيضاء، البيضاء فقط تتزوج…إلخ وهذا مع إضافة مسائل الطبقيّة المعروفة، وحكايات (و) التي تغدو حقيقة الآن، وأمورًا تحدثُ في الخفاء، نقرُّ بأنها موجودة، ونقــرُّ أيضًا أنها ليست من الإسلام في شيء..
نعلمُ قطعًا أن لا فرق بيننا، وهذا العلم يتعبه العمل، فالمعلمة لا تفرّق بين طالباتها؛ لأن إحداهن بيضاء والأخرى سمراء، أو لأن فلان
قصةٌ رائعةٌ بحق..
أتركها لكم..
من كتابِ وحي القلم لـ مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله-
::
::
اليمامتان

جاء في تاريخ الواقدي "أن (المُقَوْقِسَ) عظيم القِبط في مِصر، زوّج بنتَه (أرمانوسة) من (قسطنطين بن هِرَقْل) وجهزها بأموالها حَشَما لتسيرَ إليه، حتى يَبْنيَ عليها في مدينة قَيْسَارِيَة بفلسطين; فخرجت إلى بُلْبَيْسَ (مدينة بمحافظة الشرقية) وأقامتْ بها… وجاء عَمْرو بن العاص إلى بلبيس فحاصرها حِصَاراً شديداً، وقاتلَ مَن بها، وقتل منهم زُهاء ألفِ فارس، وانهزم مَن بقي إلى المقوقس، وأخذت أرمانوسةُ وجميع مالَها، وأُخِذَ كلُ ما للقبط في بلبيس. فأحبُّ عَمرْو ملاطفةَ المقوقس، فسير إليه ابنتَه مكزَمة في جميع مالَها، (مع قَيْس بنِ أبي العاص السهْمي); فسُرّ بقدومها…
***
هذا ما أثبتَه الواقدي في روايته، ولم يكن مَعنِياَ إلا بأخبار المَغزى والفُتوح، فكان يقتصر عليها في الرواية; أما ما أغفله فهو ما نَقُصُه نحن:
كانت لأرمانوسةَ وصيفة مُوَلَّدة تُسَمَى (ماريَة)، ذاتُ جمال يوناني أتمَته مصرُ ومَسَحَتْه بسحرها، فزاد جمالُها على أن يكون مصرياً، ونَقَصَ الجمالُ اليوناني أن يكُونَه; فهو أجملُ منهما، ولمصرَ طبيعة خاصة في الحسن; فهي قد تُهمِل شيئاً في جمال نسائها أو تُشَعث منه، وقد لا توفيه جُهدَ محاسنها الرائعة; ولكن متى نشاً فيها جمال ينْزعُ إلى أصل أجنبي أفرغت فيه سحرَها إفراغاَ، وأبت إلا أن تكون الغالبةَ عليه، وجعلتهُ آيتَها في المقابلةِ بينه في طابَعِه المصري، وبين أصله في طبيعة أرضه كائنة ما كانت; تغارُ على سحرها أن يكون إلا الأعلى.
وكانت ماريةُ هذه مسيحيةً قويةَ الدين والعقل، اتخذها المقوقسُ كنيسة حيةَ لابنته، وهو كان والياً وبَطْرِيَرْكاً على مصر من قِبَلِ هِرَقْل; وكان من عجائب صُنْع اللّه أن الفتحَ الإسلاميّ جاء في عهده، فجعل اللهُ قلبَ هذا الرجل مِفتاحَ القُفْل القبطي، فلم تكن أبوابُهم تُدافِعُ إلا بمِقدار ما تُدفعَ، تُقاتل شيئاً من قتال غيرِ كبير، أما الأبوابُ الروميةُ فبقيتْ مستَغلِقةً حصينةً لا تُذْعِنُ إلا للتحطيم، ووراءها نحوُ مائة ألفِ رومي يقاتلون المعجزةَ الإسلاميةَ التي جاءتهم من بلاد العرب أوّلَ ما جاءت في أربعة آلاف رجل، ثم لم يزيدوا آخِرَ ما زادوا على اثني عشر ألفاً. كان الروم مائة ألف مُقاتل بأسلحتهم- ولم تكن المدافع معروفة- ولكن رُوح الإسلام جعلت الجيش العربيّ كأنه اثنا عشر ألفَ مِدْفع بقنابلها، لا يقاتِلون بقوّة الإنسان، بل بقوّة الروح الدينية التي جعلها الإسلامُ مادة منفجرةَ تُشْبه الدينامِيتَ قبل أن يُعرفَ الدينامِيت!
ولما نزل عمرو بجيشِه على بُلبيس جَزِعتْ مارية جزَعاَ شديداً; إذ كان الروم قد أرجفوا أن هوّلاء العربَ قوم جياع يَنْفضهُم الجدْبُ على البلاد نَفضَ الرمالِ على الأعين في الريح العاصف; وأنهم جَراد إنساني لا يغزو إلا لِبَطْنِه; وأنهم غِلاظُ الأكباد كالإبل التي يمتطونها; وأن النساء عندهم كالدواب يُرْتَبَطْن على خَسْف; وأنهم لا عهدَ لهم ولا وفاء، ثَقُلت مطامعُهم وخَفت أمانتُهم; وأن قائدَهم عَمْرَو بن العاص كان جزاراً في الجاهلية، فما تَدَعُه روحُ الجزار ولا طبيعتُه; وقد جاء بأربعة آلاف سالخ من أخلاط الناسِ وشُذاذِهم، لا أربعةِ أَلاف مقاتل من جيش له نظامُ الجيش!
وتوهَّمتْ ماريةُ أوهامَها، وكانتْ شاعرةَ قد درست هي وأرمانوسةُ أدبَ يونانَ وفلسفتَهم، وكان لها خيال مشبوبٌ متوقد يُشْعِرُها كلَّ عاطفة أكبرَ مما هي، ويضاعف الأشياء في نفسها، وينزعُ إلى طبيعته الموّئثة، فيبالغُ في تهويل الحزنِ خاصة، ويجعل من بعض الألفاظ وَقُوداَ على الدم…
ومن ذلك اسْتُطِيرَ قلبُ مارية وأفزعتها الوساس، فجعلت تَنْدُبُ نفسَها، وصنعت في ذلك شعراَ هذه ترجمتُه:
جاءك أربعةُ آلافِ جزار أيتُها الشاةُ المِسكينة!
ستذوق كلُّ شعرة منكِ ألمَ الذبح قبل أن تُذبَحي!
جاءك أربعةُ آلاف خاطف أيتها العذراء المسكينة!
ستموتين أربعة اَلاف مِيتة قبل الموت!
قَوّني يا إلهي، لأغمِدَ في صدري سِكيناَ يردّ عني الجزارين!
يا إلهي، قَوّ هذه العذراءَ، لتتزوّج الموتَ قبل أن يتزوجَها العربي..!
***
وذهبت تتلو شِعرَها على أرمانوسةَ في صوت حزين يتوجَّع; فضحكتْ هذه وقالت: أنتِ واهمة يا مارية; أنسيتِ أن أبي قد أهدَى إلى نبيهم بنتَ (أنْصِنا) –مارية القبطية و كانت من "أنصنا" بالوجه القبلي-، فكانت عنده في مملكة بعضها السماء وبعضُها القلب; لقد أخبرني أبي أنه بَعَثَ بها لتكشفَ له عن حقيقة هذا الدين وحقيقةِ هذا النبي; وأنها أنفذتْ إليه دَسِيساَ يُعْلِمهُ أن هوّلاء المسلمين هم العقلُ الجديد الذي سيضع في العالم تمييزَه بين الحق والباطل، وأن نبيهم أطهرُ من السحابة في سمائها، وأنهم جميعاَ ينبعثون من حُدود دينهم وفضائلِه، لا من حدود أنفسهمِ وشهواتِها; وإذا سَلُوا السيفَ سَلُّوه بقانون، وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون. وقالت عن النساء: لأن تخافَ المرأةُ على عفّتها من أبيها أقربُ من أن تخافَ عليها من أصحاب هذا النبي; فإنهم جميعاً في واجبات القلب وواجبات العقل، ويكاد الضميرُ الإسلاميُ في الرجل منهم- يكون حاملاً سلاحاً يَضرِبُ صاحبَه إذاً هم بمخالفته.
وقال أبي: إنهم لا يُغيِرُون على الأمم، ولا يحاربونها حربَ المُلْك; وإنما تلك طبيعةُ الحركة للشريعة الجديدة، تتقدَم في الدنيا حاملةً السلاحَ والأخلاق، قويةً في ظاهرها وباطنها، فمن وراء أسلحتِهم أخلاقُهم; وبذلك تكون أسلحتهم نفسُها ذاتَ أخلاق!
وقال أبي: إن هذا الدينَ سيندفعُ بأخلاقِه في العالَمِ اندفاعَ العُصارة الحيةِ في الشجرةِ الجرداء; طبيعة تعملُ في طبيعة; فليس يَمضي غيرُ بعيد حتى تَخضَر الدنيا وترميَ ظِلالها; وهو بذلك فوق السياسات التي تُشْبه في عملها الظاهر المُلَفقِ ما يُعَدُّ كطلاء الشجرة الميتةِ الجرداء بلون أخضر… شَتَانَ بين عمل وعمل، وإن كان لون يشبه لوناَ…
فاسترْوَحَتْ ماريةُ واطمأنت باطمئنان أرمانوسة، وقالت: فلا ضَيْرَ علينا إذا فتحوا البلد، ولا يكون ما نَسْتَضِرُ به؟
قالت أرمانوسة: لا ضيرَ يا مارية، ولا يكون إلا ما نُحِب لأنفسنا; فالمسلمون ليسوا كهوّلاء العُلوج من الروم، يفهمون متاعَ الدنيا بفكرة الحِرص عليه، والحاجة إلى حلاله وحرامه، فهم القُساةُ الغِلاظُ المُستكلِبون كالبهائم; ولكنهم يفهمون متاعَ الدنيا بفكرة الاستغناء عنه والتمييز بين حلاله وحرامه، فهم الإنسانيون الرُّحماء المتعففون.
قالت مارية: وأبيك يا أرمانوسةُ، إن هذا لعجيب! فقد مات سقراط وأفلاطونُ وأرِسْطو وغيرُهم من الفلاسفة والحكماء، وما استطاعوا أن يؤّدبوا بحكمتهم وفلسفتهم إلا الكتبَ التي كتبوها…! فلم يخرِجوا للدنيا جماعةَ تامةَ الإنسانية، فضلآ عن أمة كما وصفْتِ أنتِ من أمر المسلمين; فكيف استطاع نبيُّهم أن يُخرِجَ هذه الأمةَ وهم يقولون إنه كان أميّا; أفتسْخَرُ الحقيقةُ من كبار الفلاسفةِ والحكماء وأهل السياسة والتدبير; فتدعُهم يعملون عَبَثاَ أو كالعبث، ثم تستسلم للرجل الامي الذي لم يكتُب ولم يقراً ولم يدرُس ولم يتعلم؟
قالت أرمانوسة: إن العلماء بهيئةِ السماء وأجرامِها وحساب أفلاكها، ليسوا هم الذين يَشُقون الفجر ويُطلعون الشمس; وأنا أرى أنه لا بد من أمة طبيعية بفطَرتها يكونُ عملُها في الحياة إيجادَ الأفكار العمليةِ الصحيحةِ التي يسير بها العالم، وقد درستُ المسيحَ وعملَه وزمنَه، فكان طِيلةَ عمره يحاول أن يوجِد هذه الأمة، غير اِّنه أوجدها مُصغرة في نفسه وحوارييه، وكان عملُه كالبدء في تحقيق الشيء العسير; حَسْبُه أن يُثبِتَ معنى الإمكان فيه.
وظهورُ الحقيقة من هذا الرجل الأمي هو تنبيهُ الحقيقة إلى نفسها; وبرهانها القاطعُ أنها بذلك في مظهرها الإلهي. والعجيبُ يا مارية، أن هذا النبي قد خذله قومُه وناكروه وأجمعوا على خلافِه، فكان في ذلك كالمسيح، غير أن المسيحَ انتهى عند ذلك; أما هذا فقد ثبت ثباتَ الواقع حين يقع; لا يرتدُّ ولا يتغير; وهاجرَ من بلده، فكان ذلك اْول خُطَا الحقيقةِ التي أعلنت أنها ستَمشي في الدنيا، وقد أخذتْ من يومِئذ تمشي. ولو كانت حقيقةُ المسيح قد جاءت للدنيا كلَّها لها جرتْ به كذلك، فهذا فرق آخر بينهما. والفرقُ الثالثُ أن المسيح لم يأت إلا بعبادة واحدة هي عبادةُ القلب، أما هذا الدينُ فعلمتُ من أبي أنه ثلاثُ عبادات يشُدُ بعضها بعضاً: إحداها للأعضاء، والثانيةُ للقلب، والثالثةُ للنفس; فعبادةُ الأعضاء طهارتُها واعتيادُها الضبط; وعبادةُ القلبِ طهارتُه وحبُّه الخير; وعبادةُ النفسِ طهارتُها وبذلُها في سبيل الإنسانية. وعند أبي أنهم بهذه الأخيرة سيملكون الدنيا; فلن تُقهرَ أمة عقيدتُها أن الموتَ أوسعُ الجانبين وأسعدُهما.
قالت مارية: إن هذا والله لسِر إلِهي يدل على نفسه; فمن طبيعة الإنسان ألا تنبعثَ نفسُه غيرَ مباليةٍ الحياةَ والموتَ إلا في أحوال قليلة، تكون طبيعة الإنسان فيها عمياء: كالغضب الأعمى، والحب الأعمى، والتكبُّرِ الأعمى; فإذا كانت هذه الأفةُ الإسلاميةُ كما قلتِ منبعثة هذا الانبعاث، ليس فيها إلا الشعورُ بذاتيتها العالية- فما بعد ذلك دليل على أن الدينَ هو شعورُ الإنسان بسموّ ذاتيتِه، وهذه هي نهايةُ النهاياتِ في الفلسفة والحكمة.
قالت أرمانوسة: وما بعد ذلك دليلْ على أنكِ تتهيئين أن تكوني مسلمة يا مارية!
فاستَضحَكَتَا معاَ وقالت مارية: إنما ألقيتِ كلاماَ جاريتُكِ فيه بحَسَبِه، فأنا وأنت فكرتان لا مسلمتان.
***
قال الراوي: وانهزم الرومُ عن بُلبيس، وارتدُّوا إلى المقوقس في (مَتف)، وكان وحيُ أرمانوسةَ في ماريةَ مدةَ الحِصار- وهي نحو الشهر- كأنه فكر سكَنَ فكراَ وتمدد فيه; فقد مر ذلك الكلامُ بما في عقلها من حقائق النظر في الأدب والفلسفة، فصنع ما يصنعُ الموّلفُ بكتاب ينقحه، وأنشاً لها أخْيِلَةً تُجادلها وتدفعها إلى التسليم بالصحيح لأنه صحيح، والموّكد لأنه موّكَّد.
ومن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس، أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة التي تُلقَى للحفظ; فكان كلامُ أرمانوسة في عقل مارية هكذا: "المسيحُ بدء وللبدء تَكمِلة، ما من ذلك بد. لا تكون خدمةُ الإنسانية إلا بذات عالية لا تبالي غيرَ سموّها. الأمةُ التي تبذل كل شيء وتستمسكُ بالحياة جُبْناً وحرصاً لا تأخذ شياً، وال











